الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

612

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

تعرض لذلك ، والذي أعتقده لو أن ذلك عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه ، وقد جاء أن السماوات شرفت بمواطئ قدميه ، بل لو قال قائل : إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرفها لكونه - صلى اللّه عليه وسلم - حالا فيها لم يبعد ، بل هو عندي الظاهر المتعين . انتهى . وحكاه بعضهم عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها ، لكن قال النووي : إن الجمهور على تفضيل السماء على الأرض ، أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة . وقد استشكل ما ذكر من الإجماع على أفضلية ما ضم أعضاءه الشريفة على جميع بقاع الأرض ، ويؤيده ما قاله الشيخ عز الدين بن عبد السلام في تفضيل بعض الأماكن على بعض ، من أن الأماكن والأزمان كلها متساوية ، ويفضلان بما يقع فيهما لا بصفات قائمة بهما . قال : ويرجع تفضيلهما إلى ما ينيل اللّه العباد فيهما من فضله وكرمه ، والتفضيل الذي فيهما أن اللّه تعالى يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما . انتهى . ملخصا . لكن تعقبه الشيخ تقى الدين السبكي بما حاصله : إن الذي قاله لا ينفى أن يكون التفضيل لأمر آخر فيهما وإن لم يكن عمل ، لأن قبر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة ، وله عند اللّه من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه ، وليس ذلك لمكان غيره ، فكيف لا يكون أفضل ؟ وليس محل عمل لنا لأنه ليس مسجدا ، ولا له حكم المسجد ، بل هو مستحق للنبي - صلى اللّه عليه وسلم - . وأيضا فقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار أن النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - حي كما تقرر ، وأن أعماله مضاعفة فيه أكثر من كل أحد ، فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن . قال : ومن فهم هذا انشرح صدره لما قاله القاضي عياض من تفضيل ما ضم أعضاءه الشريفة - صلى اللّه عليه وسلم - باعتبارين : أحدهما ، ما قيل إن كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه ، والثاني : تنزل الملائكة والبركات عليه ، وإقبال اللّه